د. عاصم عبد المنعم أحمد *
مقدمة
تُشكل التغيرات المناخية أحد أخطر التهديدات التي تُواجه أمن وازدهار ورفاهية كوكب الأرض، أصبحت أحداث الطقس المُتطرف أكثر شيوعًا من حيث قوتها وتكرارها في حين تُهدد التغيرات التي تَطرأ على المحيطات من فيضانات وارتفاع لمستوى سطح البحر وزيادة حموضة ماء المحيطات والسكان الذين يعيشون بالقرب منها بالإضافة الى كل الكائنات الحية بداخلها، ويتعرض الملايين من أكثر الناس ضعفًا في العالم لنقص حاد في الغذاء والمياه وفقدان السكن وسبل العيش.
تغير المناخ قصة ظلم فالشعوب والمجتمعات التي ساهمت بأقل قدرٍ في المشكلة والتي تمتلك أقل الموارد للتعامل معها هي أول المتضررين وأكثرهم تضررًا من آثارها. لا يوجد بلد بعينه أو منظمة أو مجموعة لديها الحل لأزمة المناخ ولكن يتعين على كل بلد أن يَفعل ما في وسعه في الداخل وأن يساهم في الجهود الجماعية الرامية إلى الحد من إنبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي، مع توفير الدعم للفئات الأكثر ضعفًا للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.
نشأه مصطلح التمويل المناخي
ظَهر مفهوم تمويل المناخ لأول مرة في سياق مفاوضات المناخ التي عقدتها الأمم المتحدة واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لتوفيره، وتم تَحديد مُصطلح التمويل المناخي لأول مرة في الاجتماع الأول لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في ريو دي جانيرو عام 1992، حيث تَنص الاتفاقية على أن الدول المتقدمة مُلزمة بتوفير “موارد مالية جديدة وإضافية” للدول النامية لدعم تلبية التكاليف الكاملة والمُتزايدة لتغير المناخ.
أضحى اتفاق كوبنهاجن الذي تم التوصل إليه عام 2009 خلال مؤتمر الأطراف الخامس عشر للمناخ الذي عُقد عام 2009 بمدينة كوبنهاجن بالدنمارك إنجازًا أساسيًا في مجال تمويل المناخ، وفي هذا الاتفاق تَناولت الفقرات من الثامنة إلى العاشرة التمويل المناخي حيث تَعهدت الدول المُتقدمة بتقديم 30 مليار دولار (10 مليار دولار سنويًا) بين عامي 2010 و2012 للدول النامية لتنفيذ أنشطة التخفيف والتكيف تَتَصاعد لتصل إلى 100 مليار دولار سنويًا تبدأ من عام 2020من مصادر التمويل المختلفة المحلية والأجنبية والوطنية لدعم العمل المناخي في الدول النامية إلا أن هذا الوعد لم يُوفَ به.
حَققَت البلدان المُتقدمة في عام 2022 هذا الهدف لأول مرة إذ تم توفير ما مجموعه 115.9 مليار دولار للتمويل المناخي للبلدان النامية، إلا أنه لم توجه سوى نسبة صغيرة من هذا الإجمالي إلى البلدان مُنخفضة الدخل ولم تذهب سوى ربع هذه المساعدات إلى دول أفريقيا، وللأسف شكلت القروض الفئة الأكبر من التمويل وذهبت بشكلٍ رئيسي إلى البلدان مُتوسطة الدخل.
واختتم مؤتمر المناخ التابع للأمم المتحدة في دورته التاسعة والعشرون بباكو بأذربيجان باتفاق يدعو الدول المتقدمة إلى تقديم 300 مليار دولار سنويًا للدول النامية بحلول عام 2035.
ولا ينبغي الخلط بين مصطلحي تمويل المناخ وتمويل الكربون حيث أن الاثنين مُختلفان تمامًا حيث يُشير تَمويل المناخ إلى الأموال اللازمة لمُعالجة تغير المناخ في حين أن تمويل الكربون هو الإيرادات التي تُحققها المشاريع من خلال بيع أرصدة الكربون.
ويَنقسم التمويل في قضايا التغيرات المناخية الى تمويل للتكيف وتمويل للتخفيف من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
تمويل التكيف
يَسعى تمويل التكيف إلى الحد من تأثر الناس والأماكن وسبل عيشهم بالآثار السلبية لتغير المناخ، سيساعد التكيف الناس والمجتمعات والدول على توقع آثار المناخ الحالية والمُستقبلية والاستعداد لها. ويمكن للتكيف أن ينقذ الأرواح ويَحد من انعدام الأمن الغذائي والمائي وسوء التغذية ويحسن النتائج الصحية، ويشمل التكيف أنشطةً من مجموعة واسعة من القطاعات بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: تخطيط التكيف على المستويين الوطني أو المستويات الأدنى وقطاع الزراعة والأمن الغذائي والتغذية، وإدارة الموارد الطبيعية، والبنية التحتية، والصحة، والمياه، والتأهب للكوارث والتعافي منها، وتمويل مخاطر الكوارث، والحوكمة، والنمو الاقتصادي، والتعليم، ومرونة المناطق الحضرية، وإدارة المناطق الساحلية، ومنع النزاعات.
تمويل التخفيف
يَسعى تمويل التخفيف إلى الحدّ بشكلٍ كبير أو منع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مع تحسين سبل العيش، ويَشمل ذلك الجهود المبذولة لتمكين أنظمة طاقة موثوقة وفعالة ومُستدامة وآمنة من خلال تشجيع وتمكين إنتاج وشراء واستخدام تقنيات الطاقة النظيفة والخالية من الكربون وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من الأراضي من خلال تعزيز ممارسات الاستخدام المُستدام للأراضي التي تُقلل الانبعاثات أو تزيد من عزل الكربون، ويشمل ذلك أيضًا الاستثمارات المباشرة في الطاقة النظيفة وتعزيز كفاءة تخزين الطاقة وإدارتها عبر القطاعات المختلفة.
ويدعم التخفيف أيضًا تنفيذ حلول قائمة على الطبيعة والتي تُقلل من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من خلال الحفاظ على الغابات وأراضي الخث وأشجار المانغروف والنظم البيئية الأخرى وإدارتها واستعادتها فضلاً عن ممارسات الانبعاثات المنخفضة في الزراعة وأنظمة الإنتاج الأخرى مع دعم النمو الاقتصادي والمرونة وغيرها من الفوائد المُشتركة.
مصادر التمويل
يأتي تمويل المناخ من مصادر متنوعة للغاية تشمل: العامة والخاصة والوطنية والدولية الثنائية والمتعددة الأطراف، كما توجد أنواع عديدة من الأدوات أشهرها:
السندات الخضراء: هي نوع من الديون تُصدره مؤسسة عامة أو خاصة، تَلتزم هذه السندات باستخدام الأموال لأغراض بيئية كمكافحة تغير المناخ مثلاً.
مبادلات الديون: تَتَضمن هذه المبادلات بيع الدولة الدائنة ديونها بالعملة الأجنبية لمُستثمر ما على سبيل المثال( منظمة غير حكومية) والذي يمكنه بعد ذلك مبادلة الدين مع الدولة المَدينة لتطوير مشاريع التخفيف والتكيف.
القروض المُيسرة: قروض مُخصصة لأنشطة التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها وتَختلف عن القروض التقليدية (الإستثمارية) بفترات سداد أطول وأسعار فائدة أقل بالإضافة إلى شروط تفضيلية أخرى.
المنح والتبرعات: هي مبالغ تُمنح لمشاريع تَتَعلق بمكافحة الطوارئ المناخية ولا يُشترط سدادها.
الصناديق الرئيسية لتمويل المناخ
على المستوى الدولي يُعد صندوق التكيف (AF) وصندوق المناخ الأخضر(GCF) وصندوق البيئة العالمي (GEF) أدوات رئيسية لتمويل المناخ في الوقت الحاضر.
أُنشئ صندوق التكيف عام 2001 بقرار من مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وذلك لتمويل مشاريع وبرامج تكيف ملموسة في الدول النامية الأكثر تأثرًا بالآثار السلبية لتغير المناخ. يُموَّل هذا الصندوق من خلال مساهمات مالية من الدول المتقدمة وبنسبة من عائدات أنشطة مشاريع آلية التنمية النظيفة (CDM) وتبلغ هذه النسبة نحو 2% من شهادات خفض الانبعاثات المُعتمدة الصادرة لأنشطة مشاريع آلية التنمية النظيفة. وحقَقَ هذا الصندوق هدفه المُتمثل في جمع 100 مليون دولار أمريكي بنهاية عام 2013 مع استهداف تعبئة موارد أخرى قدرها نحو 80 مليون دولار أمريكي سنويًا في عامي 2014 و2015 لدعم المشاريع والبرامج المُعتمدة.
أُنشئ الصندوق الأخضر للمُناخ من قِبل مؤتمر الأطراف في دورته السادسة عشرة والتى انعقدت خلال الفترة من 29 نوفمبر إلى 10 ديسمبر 2010 بمدين كانكون بالمكسيك ككيانٍ تنفيذيٍّ للآلية المالية للاتفاقية. يدعم الصندوق الأخضر للمناخ المشاريع والبرامج والسياسات والأنشطة الأخرى في الدول النامية الأطراف في بروتوكول كيوتو، البنك الدولي هو الوصي المؤقت على الصندوق، جمع الصندوق الأخضر للمناخ نحو 10.2 مليار دولار أمريكي حتى الآن من الدول المساهمة مما مكّنه من بدء أنشطته في دعم الدول النامية وجعله أكبر صندوق مُخصص للمناخ.
صندوق البيئة العالمية تأسس عام 1991 وهو شراكة للتعاون الدولي حيث تعمل 183 دولة جنبًا إلى جنب مع المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص لمعالجة القضايا البيئية العالمية، ويعمل أيضًا كآلية مالية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وبروتوكول كيوتو التابع لها، ويعمل أيضًا كآلية مالية لاتفاقيتي التنوع البيولوجي ومكافحة التصحر.
وفي الختام فإن مضاعفة التمويل للدول للتكيف مع آثار المناخ هو أمر ضروري ولا مفر منه خاصة بعد أن وصلت الخسائر والأضرار الناجمة عن التغيرات المناخية ما يقرب من 2.8 تريليون دولار أمريكي خلال الفترة 200- 2019 بتكلفة بلغت حوالي 16 مليون دولار أمريكي في الساعة، مع ضمان توزيع هذا التمويل بشكلٍ عادل وبطرق لا تفرض قيوداً إضافية على التنمية في هذه الدول.
*استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية ورئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية المعمل المركزي للمناخ الزراعي- مركز البحوث الزراعية، مصر.
أخبار البيئة